![]() |
| الرمزية خلف صورة الأسد: هل أصبح إيماننا مجرد مظهر مهيب يخفي وراءه استسلاماً كاملاً للواقع؟ |
قبل البدء في رحلتنا الفكرية، يسعدنا أن نخبركم بأن قناة "فضفضة تيوب" أعدت فيديو تفصيلياً يشرح هذه القضية بالصوت والصورة وبأسلوب سينمائي مذهل؛ لذا ننصحكم بمشاهدة الفيديو أولاً لتكتمل الرؤية لديكم ..
مقدمة: هل نحن متدينون أم مجرد "هادئون"؟
نحن نعيش في عصر عجيب؛ المساجد تمتلئ، والسبحات في كل يد، والمنشورات الدينية تغزو منصات التواصل الاجتماعي. لكن، لماذا كلما زادت مظاهر التدين، زاد الفساد والأنانية في المجتمع؟
الإجابة المرة هي أننا نعيش عصر "التدين الأليف". النسخة التي لا تزعج أحداً، ولا ترفض ظلماً، ولا تغير واقعاً. لقد تم تفريغ المحرك من تروسه، فبقي الصوت عالياً لكن السيارة لا تتحرك.
لماذا يهرب الناس من مواجهة هذا السؤال؟
لأن الإجابة تقتضي مسؤولية. من السهل أن تسبح ألف مرة، لكن من الصعب أن تمتنع عن رشوة أو ترفض محاباة في عملك. هنا تبدأ رحلة "تفريغ الدين".
أولاً: فلسفة "خصخصة الإيمان" وكيف بدأت؟
لقد تم إقناعنا تدريجياً أن الدين هو علاقة "خاصة" جداً بينك وبين الله، لا يحق لها أن تخرج من المسجد أو السجادة. هذا ما يسمى بـ خصخصة الإيمان.
وهذا يقودنا إلى تساؤل جوهري حول المصدر الذي نستقي منه قيمنا اليوم، وهو ما ناقشناه بالتفصيل في مقالنا السابق حول [سقوط المرجعية: من أصبح يحدد لنا الصح والغلط اليوم؟]، حيث كشفنا كيف بدأت عملية سحب البساط من القيم الدينية لصالح قيم استهلاكية ومادية بحتة.
"أخطر حرب ليست التي تمنعك من الدين، بل التي تسمح لك به.. بعد ما تفرّغه من قوته."
ثانياً: مقارنة بين "الدين الجوهري" و"التدين الأليف"
عزيزي القارئ، لكي تعرف أين تقف، أعددنا لك هذا الجدول المقارن الذي يوضح الفرق الشاسع بين المفهومين:
| وجه المقارنة | الدين الحقيقي (القائد) | التدين الأليف (المسكن) |
| الميدان الرئيسي | السوق، السياسة، والواقع اليومي | السجادة، السبحة، والقلب فقط |
| التأثير | يغير الواقع ويصنع أمة | يريح الأعصاب ويصنع فرداً منعزلاً |
| الموقف من الظلم | يرفض ويواجه بالكلمة والموقف | يصمت ويمشي "جنب الحائط" |
| التكلفة | له ثمن وضريبة (ثبات ومبادئ) | مجاني بلا تكلفة أو تضحية |
ثالثاً: محاور عملية لكيفية تفريغ الدين
إليك الطريقة التي تم بها إعادة تعريف تديننا المعاصر بذكاء شديد عبر استراتيجيات ناعمة:
1. صناعة "المتدين الآمن"
المتدين الآمن هو الشخص الذي يصلي ويصوم لكنه "مستسلم" لكل قيم الاستهلاك. إن تحويل الإنسان إلى فرد صالح (في نفسه فقط) ومنعزل عن هموم أمتة هو جزء من مخطط أكبر لتقسيم الوعي، تماماً كما تم تقسيم الأراضي، وهو ما يمكنك اكتشافه في تحليلنا لـ [كيف تحولنا من أمة واحدة إلى سجون تسمى أوطان؟]، وكيف ساهمت الحدود الوهمية في إضعاف الرابطة الدينية الشاملة.
2. تحويل الدين إلى "ماركة" (Brand)
أصبح التدين عبارة عن قاموس كلمات معين، أو شكل لحية، أو نوع حجاب، دون الوصول إلى "الجوهر" وهو العدل والصدق والإتقان.
نصيحة ذهبية:
"إذا وجدتم صلاتكم لا تمنعكم من الغش في التجارة، أو الكذب في العمل، أو الصمت عن الحق؛ فاعلموا أنكم تستهلكون نسخة (دايت) من الإيمان، لا تنفع ولا تغني من جوع."
رابعاً: سيكولوجية الرضا الوهمي
لماذا نتمسك بالنسخة الضعيفة من الدين؟ لأنها تمنحنا "الرضا الوهمي". الشخص الذي يصلي وهو يرى الظلم حوله ولا يحرك ساكناً، يشعر أنه "فعل ما عليه" تجاه الله، بينما هو في الحقيقة قد انسحب من "اللعبة" وترك الواقع للأقوياء يشكلونه كما يشاؤون.
"حين يُسمح لك بالتدين بلا تكلفة، اعلم أن شيئاً ما قد نُزع منه."
خامساً: كيف نستعيد قوة الدين في حياتنا؟
الحل ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب شجاعة. إليك خطوات عملية:
الربط بين العبادة والمعاملة: لا تفصل بين ركوعك في المسجد وأمانتك في المكتب.
رفض التدين الانعزالي: الدين جاء لصناعة "مجتمع" متماسك وليس مجرد "أفراد" ناجين وحدهم.
تفعيل فريضة الوعي: افهم كيف يُدار العالم من حولك، لتعرف أين يوضع الدين في مكانه الصحيح كقوة مغيرّة.
خاتمة: حين يصبح الصمت استسلاماً
إن النسخة "الأليفة" من الدين هي أكبر هدية تُقدم لأعداء الشعوب، لأنها تنتج بشراً يسهل قيادهم وتوجيههم، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً. إن المعركة على الوعي لا تتوقف عند تفريغ العبادات فحسب، بل تمتد لتطال الرموز الظاهرة التي تعبر عن الهوية.
وفي مقالنا القادم، سنتناول [الحرب الناعمة على الحجاب: حين يتحول الرمز إلى معركة]، لنفهم كيف يتم استهداف الهوية من خلال القماش والمظهر وتحويل الجوهر إلى قشور.
"ليس كل هدوء سلاماً.. أحياناً يكون هو الاستسلام بعينه."
في نهاية الطريق، الله لا ينظر إلى طول سجودك بقدر ما ينظر إلى "أثر" ذلك السجود في كفك الممدودة لمساعدة ضعيف، أو في كلمتك الصادقة أمام قوي. كن "ملح الأرض" الذي يمنع فسادها، ولا تكن مجرد رقم في سجلات "المتدينين الأليفين".
وفي الختام :
هل تشعر أن صلاتك اليوم تمنحك القوة لتغيير شيء في واقعك، أم أنها أصبحت مجرد طقس لتهدئة ضميرك؟ شاركنا رأيك بكل صراحة في التعليقات.
