فلسفة الحصار: هل الدين غائب أم أنه "مُدجّن"؟
سؤال جوهري يطرح نفسه بقوة على واقعنا المعاصر: هل تشعر أن الدين غائب عن حياتنا، أم أنك تشعر بأنه محاصر؟ قد يبدو السؤال غريباً للوهلة الأولى، فالأذان يرفع في كل مكان، والمساجد تفتح أبوابها للآلاف، والقرآن يُطبع ويُوزع بالملايين، ولكن هناك فجوة مرعبة تظهر بوضوح عند التطبيق. لماذا لا يمنع هذا الدين الظلم المستشري؟ لماذا لا يوقف الحرام الذي أصبح منظماً ومشرعاً؟ ولماذا يجد المتدين الحقيقي نفسه دائماً في موضع اتهام أو تحت ضغط نفسي هائل؟ الحقيقة التي يجب أن نواجهها هي أن المشكلة لم تكن يوماً في "وجود" الدين كطقوس، بل في "تأثيره" كمنهج حياة. في هذه السلسلة الجديدة "الحرب الناعمة على التدين"، نحن لا نجادل في معتقدات ولا نهاجم أشخاصاً، بل نحاول فهم تلك اللحظة التاريخية التي تحول فيها الدين من قائد يصنع الإنسان القوي المؤثر، إلى مجرد مهدئ نفسي يريح الضمير دون أن يغير الواقع.
يمكنك مشاهدة الحلقة التأسيسية لهذه السلسلة والتحليل المرئي الكامل من هنا: [📺 شاهد الفيديو: كيف بدأت الحرب الناعمة على التدين؟ | البداية]
رحلة الوعي: روابط السلسلة السابقة
لكي نفهم هذه الحرب الناعمة بجذورها، يجب أن نربطها بما كشفناه سابقاً في سلسلتنا الأولى التي وضعت النقاط على الحروف بخصوص العداء للالتزام. ففي
ماهية الحرب الناعمة وسحر "التفريغ"
الحرب الناعمة تختلف جذرياً عن المواجهة العسكرية الصريحة؛ فهي لا تعلن عن نفسها، ولا ترفع سلاحاً، ولا تطالبك بترك دينك صراحة. إنها أخطر بكثير لأنها تترك لك "حرية التدين" ولكنها تسحب منه "سلطته" وقوته الدافعة. الهدف هو الفصل التام بين الدين وبين مفاصل الحياة اليومية؛ فتجد نفسك تؤمن بالله، وتصلي وتصوم، ولكن هذا الإيمان لا يصنع لك موقفاً، ولا يمنعك من ممارسة الفساد أو السكوت عنه. هنا يتحول الدين من "قائد" يوجه بوصلة المجتمع، إلى "مهدئ" يُستخدم لتسكين آلام الضمير ومنح النفس نوعاً من الراحة الزائفة. الدين الذي لا يكلفك تضحية، ولا يغير من سلوكك في السوق والسياسة والإعلام، هو دين "مدجن" تم تفريغه من روحه ليصبح مجرد زينة ثقافية لا تحمي من انحراف ولا تبني حضارة.
ضرب المرجعية وسقوط "رمز الوحدة"
أي دين لكي يصنع أمة حقيقية وقوية يحتاج إلى ثلاثة أركان متداخلة: عقيدة راسخة في القلوب، شريعة تنظم المعاملات، وسلطة تحمي هذه القيم وتطبقها. بمجرد نزع ركن واحد، يبدأ البناء كله في الانهيار التدريجي. ومن هنا نفهم لماذا كانت الخلافة الإسلامية هدفاً مركزياً في القرن الماضي؛ فهي لم تكن مجرد نظام حكم تاريخي، بل كانت رمزاً لوحدة المرجعية والشعور بأن الإسلام "يحكم" ولا يُستضاف. يوم أن أُلغيت الخلافة، لم تُلغَ الصلاة ولم يُمنع القرآن، ولكن فُصل الدين عن قيادة الواقع. أصبح الإسلام مثل "أب" يحبه الجميع ويحترمونه في البيت، ولكنه لا يملك سلطة التربية ولا حق اتخاذ القرار، فصار وجوده بروتوكولياً لا أكثر، وهذا كان أول مسمار في نعش التأثير الإسلامي على الواقع العالمي.
نموذج "أتاتورك" والصدام العنيف بالذاكرة
في تركيا، شهد التاريخ تجربة فريدة لم تكن النعومة فيها هي البطل في البداية، بل كان صداماً صريحاً بالهوية. لقد أدرك "كمال أتاتورك" المعادلة بوضوح شديد: طالما أن الإسلام هو المرجع، فلن تستطيع القوى الخارجية السيطرة الكاملة. لذا قام بإلغاء كل ما يمت للمرجعية بصلة؛ من القضاء الشرعي إلى لغة القرآن، وصولاً إلى تحويل الأذان للغة التركية. لم يكن الهدف عدم فهم اللغة فحسب، بل كان الهدف هو "قطع الذاكرة" وقطع الصلة بالتراث. كانت النتيجة إنتاج "مسلم" يمارس شعائره داخل المسجد، بينما الدولة والمجتمع يسيران في اتجاه مناقض تماماً. هذا النموذج الصادم أثبت للمنظومة العالمية أن الدين يمكن "تحييده" وحصره في زاوية ضيقة دون الحاجة لمسحه من الوجود، طالما أنه فقد القدرة على قيادة المجتمع.
العلمانية المستوردة وتحويل الدين لتجربة شخصية
تسللت العلمانية إلى بلادنا كمشروع مستورد لا يشبه في جذوره العلمانية الأوروبية التي كانت رد فعل على طغيان كنيسة فاسدة. في عالمنا الإسلامي، لم يكن الهدف حماية التعايش، بل كان "نزع الشريعة" وتحييد المرجعية الإلهية عن إدارة شؤون البشر. العلمانية عملت بذكاء على إعادة تعريف الدين؛ فبدلاً من كونه "نظام حياة شاملاً" (من السياسة إلى الأخلاق)، أصبح يُعرف بأنه "تجربة شخصية" تخص الفرد وحده وعلاقته بخالقه داخل جدران غرفته. هذا التحول يعني ببساطة أن الدين لا يحق له الاعتراض على الربا في البنوك، ولا على الانحلال في الإعلام، ولا على الظلم في السياسة. الدين الذي لا يحكم الواقع، سيُحكم عليه حتماً من قبل أهواء البشر ومصالح المنظومات الكبرى.
لماذا التفريغ أنجح من المنع؟
إن المنع الصريح للتدين يصنع دائماً رد فعل قوياً ومقاومة شرسة تزيد من تمسك الناس بدينهم. أما "التفريغ" فهو عملية بطيئة وهادئة تصنع "خضوعاً" طوعياً. المنظومة تفضل المتدين الذي "يصلي ويصمت"، الذي لا يسأل عن مصدر المال، ولا يعترض على غياب العدالة. هذا النوع من المتدينين هو الأنسب للسلطات الظالمة وللمنظومات الاستهلاكية؛ لأنه يمنحها شرعية أخلاقية دون أن يطالبها بأي تغيير حقيقي. الحرب الناعمة لم تبدأ بالحجاب أو بالإعلام، بل بدأت عندما قُبل الإسلام "كعبادة" ورُفض "كشريعة ومنهج حياة". كل ما نراه اليوم من تشويه للقيم هو نتيجة منطقية لتلك اللحظة التي فقد فيها الدين قدرته على قيادة الواقع.
خاتمة: من الدين إلى "الحدود المصطنعة"
إن إسقاط المرجعية لم يكن سوى الخطوة الأولى، تلتها خطوات أكثر تعقيداً لتقطيع أوصال الأمة ورسم حدود وهمية تستبدل "الانتماء العقدي الكبير" بانتماءات جغرافية وقومية ضيقة. الانتقال من "مسلم" إلى "مواطن" في دولة رسمت حدودها اتفاقيات دولية مثل "سايكس بيكو" هو موضوع حلقتنا القادمة التي ستكشف كيف استُكمل حصار التدين عبر الجغرافيا.
تذكر دائماً: الدين الذي لا يكلفك موقفاً في حياتك، لن يكون درعاً يحميك في آخرتك. الحرب الناعمة تهدف لجعل إيمانك "زينة" باردة، فاستعد لتعيد له حرارته وتأثيره.
