الحرب الناعمة على التدين (2): زنزانة "سايكس بيكو".. كيف حوّلونا من أمة إلى أوطان متفرقة؟

 

خريطة سايكس بيكو وتقسيم الأمة - الحرب الناعمة

ي مستهل حديثنا عن هذا الصراع الصامت، لابد من العودة إلى الأساس الذي بنينا عليه هذا الوعي؛ لذا يفضل قراءة الحرب الناعمة على التدين (الجزء الأول): كيف بدأت؟ لفهم كيف استُهدفت المرجعية الدينية أولاً. اليوم، ننتقل إلى الفصل الثاني من هذه الحرب؛ الفصل الذي لم يستهدف "ماذا نعبد" فحسب، بل استهدف "من نحن" وأين تقع حدود انتمائنا.

🎬 فيديو المقال:

شاهد الحلقة الثانية من سلسلة الحرب الناعمة: كيف حوّلونا من أمة واحدة إلى أوطان متفرقة؟ | سايكس بيكو (هذه ليست مجرد حلقة تاريخية، بل هي رحلة لتفكيك الواقع الذي نعيشه اليوم)

الضربة الأولى: عندما صارت الأرض "أقفاصاً"

لطالما كان المسلم يتحرك في فضاء واسع، لا يحده إلا إيمانه، ولا يعرف لغة الحدود المصطنعة. كانت "الأمة" هي البيت الكبير الذي يضم الجميع تحت مظلة واحدة، وشعور واحد بالجسد الواحد. لكن، لكي تنجح الحرب الناعمة في تحويل الدين إلى ممارسة شخصية بلا تأثير، كان لا بد من تحطيم هذا البيت وتفتيت هذا الجسد.

اتفاقية سايكس بيكو لم تكن مجرد قلم رصاص رسم حدوداً على خريطة في غرفة مظلمة بين "مارك سايكس" و"فرانسوا بيكو" عام 1916. لقد كانت "مشرطاً جراحياً" استُخدم لقطع الشرايين التي تربط أطراف الجسد الواحد، وتحويل الانتماء الكبير إلى انتماءات صغيرة ومحدودة.

من "أمة" إلى "جغرافيا": فخ الهوية الجديدة

لقد نجح المشروع في تحويل المسلم من الانتماء لكيان عالمي يتجاوز القوميات، إلى الانحصار داخل "هوية وطنية" ضيقة ومصطنعة:

  • الانحصار داخل علم: أصبح العلم، الذي رُسمت حدوده وألوانه أحياناً بأيادٍ غريبة، هو المرجعية الأولى للولاء والبراء.

  • الانحصار داخل نشيد: تحولت المشاعر الجياشة من نصرة قضايا الأمة الكبرى إلى الفخر بحدود ترابية صُنعت لتقسيمنا لا لتوحيدنا.

  • الانحصار داخل حدود: صار المسلم يشعر بالانفصال التام عن أخيه بمجرد وجود "سلك شائك"، وأصبح الانتماء لجواز السفر مقدماً على الانتماء للعقيدة.

لماذا كان ضرب "الخلافة" بداية لضرب التدين؟

قد يتساءل البعض: ما علاقة الحدود الجغرافية بجوهر التدين في قلبي؟ العلاقة وثيقة وجوهرية. أي دين لكي يصنع أمة حقيقية يحتاج إلى مثلث القوة: (عقيدة، شريعة، وسلطة تطبقها). إذا نزعت واحداً من هذه الأضلاع، انهار الباقي بالتدريج.

بإلغاء الخلافة، سقط الضلع الثالث (السلطة المرجعية). وهنا بدا التحول الخطير الذي نعيشه اليوم:

  1. دين بلا حماية: أصبح الإسلام كأب موجود في المنزل، لكنه لا يملك حق التربية ولا اتخاذ القرار؛ يُسمع صوته (الأذان) لكن لا يُطبق حكمه.

  2. تجزئة المرجعية: عندما تقطعت الأمة إلى أوطان، أصبحت كل دولة تتبنى قوانين مستوردة، وتم عزل الدين عن قيادة المجتمع لتنحصر وظيفته في "المسائل الشخصية" فقط.

  3. تيه الهوية: لم يعد للمسلم مرجع أعلى يعود إليه، بل أصبحت "الدولة الوطنية" هي التي تحدد المسموح والممنوع، حتى في الفتوى الدينية، مما أفقد الدين قدرته على تغيير الواقع.


إضاءة وعي: "الحرب الناعمة لا تطلب منك ترك صلاتك، بل تطلب منك ترك 'سلطة' صلاتك على واقعك؛ فتصلي صلاةً لا تمنعك من ظلم، وتصوم صوماً لا يغير واقعك."


القومية.. السلاح الناعم لتفتيت العقيدة

لم تكتفِ الحرب الناعمة برسم الحدود، بل زرعت بذور "القومية" كبديل مقدس للدين. تم إقناع الشعوب بأن "الرابطة العرقية" أو "الوطنية الضيقة" أسمى من رابطة الإيمان الجامعة.

  • نموذج أتاتورك والتطبيق الصارخ: في تركيا، تم استخدام القوة لقطع الناس عن لغتهم (لغة القرآن) وتاريخهم، حتى الأذان حُوّل للتركية لقطع الذاكرة تماماً عن الهوية الإسلامية.

  • مشروع العلمانية المستوردة: العلمانية في بلادنا لم تكن رد فعل طبيعي بل كانت "مشروعاً مستورداً" هدفه نزع الشريعة وتحييد الدين، ليتحول من "نظام حياة" إلى "تجربة شخصية" لا تزعج أحداً.

الحرب الناعمة: التفريغ لا المنع

أخطر ما في هذه المرحلة هو اكتشاف القوى التي تقود هذه الحرب أن "المنع الصريح" للدين يولد مقاومة وانفجاراً. لذا، لجأوا إلى استراتيجية "التفريغ":

  • الدين المفرغ: هو أن تترك للناس المساجد والمصاحف، لكن تسحب من الدين "سلطته" وقدرته على صناعة موقف.

  • الدين المهدئ: تحول التدين إلى "مهدئ للضمير" يسكن النفس لكنه لا يغير الفساد ولا يوقف الحرام.

  • المتدين المقبول: هو ذاك الذي يصلي ويصمت، لا يسأل ولا يعترض، وهذا هو أنسب نوع دين بالنسبة للسلطة وأخطر نوع بالنسبة للأمة.

الخاتمة: هل نحن أمام تاريخ أم واقع؟

هذه ليست مجرد حلقة تاريخية عن اتفاقية مضى عليها أكثر من قرن. إنها "حلقة وعي" بامتياز. نحن نعيش في "زنزانة سايكس بيكو" النفسية كل يوم. عندما ندافع عن حدودنا المصطنعة أكثر من دفاعنا عن قيمنا المشتركة، وعندما نرضى بدين "يرافقنا" في حياتنا ولا "يقودنا" فيها، فنحن نعلن نجاح الحرب الناعمة علينا.

سايكس بيكو لم تكن مجرد تقسيم للأرض، بل كانت الضربة الأولى في مشروع طويل لتفكيك الأمة.. ثم تفكيك الدين نفسه. السؤال الآن: هل سنظل نرى العالم من خلال المنظار الذي رسموه لنا؟ أم سنعيد اكتشاف انتمائنا للأمة التي لا تحركها الأسلاك الشائكة، بل يحركها الوحي؟

في المقال القادم، سنكشف كيف انتقلت الحرب الناعمة من الجغرافيا إلى العقول.. انتظرونا.


شاركنا رأيك: هل تشعر أن الدين في حياتك اليوم "يقودك" ويصنع مواقفك، أم أنه مجرد "مهدئ" لضميرك؟


المصادر:

  • [1] تفريغ فيديو "كيف بدأت الحرب الناعمة على التدين؟ | البداية !!"، قناة فضفضة تيوب، 2026.







تعليقات