بين إسلام الوراثة وإسلام الاختيار رحلة البحث عن اليقين في عصر الحيرة

 

هل أنت مؤمن "بالوراثة" أم "بالاختيار"

لو تأملنا الخريطة الجغرافية لتوزيع الأديان في عالمنا المعاصر سنصطدم بحقيقة إحصائية مثيرة للتفكير وهي أن العامل الأول والأساسي في تحديد هوية الإنسان العقائدية هو "الجغرافيا" فالمرء يجد نفسه مسلماً أو مسيحياً أو بوذياً أو حتى ملحداً بناءً على البيت الذي ولد فيه والبيئة التي احتضنته وهذا الواقع يفرض علينا سؤالاً وجودياً شديد الأهمية هل إيمانك الحالي هو نتاج بحث واقتناع شخصي أم أنه مجرد "تركة" ورثتها عن والديك كما ترث ملامح وجهك واسم عائلتك

قبل البدء في القراءة ندعوك لمشاهدة هذا الفيديو الذي وضعنا فيه حجر الأساس لهذه القضية 




أزمة الهوية الموروثة في العالم الحديث

إن البداية من خلال الوراثة ليست عيباً في حد ذاتها بل هي رحمة من الله أن يولد الإنسان في بيئة تدله على الحق ولكن الأزمة تبدأ عندما تتحول هذه الهوية إلى "حالة سكون" حيث يعيش الإنسان ويموت وهو يحمل لقباً دينياً لا يعرف من جوهره إلا القشور وتخيل معي شخصين أحدهما ولد في مجتمع مسلم والآخر في مجتمع هندوسي وكلاهما لم يحرك ساكناً للبحث عن الحقيقة وعاشا حياتهما فقط لإشباع الرغبات والالتزام بالتقاليد الاجتماعية خوفاً من كلام الناس فهل هناك فرق جوهري بينهما في ميزان الوعي الحقيقي إن كلا الشخصين هنا يتبعان "دين البيئة" لا "دين الحق"

لماذا يحب الله الإيمان القائم على الاختيار

إن الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم ذم "التبعية العمياء" في آيات كثيرة عندما كان المشركون يقولون (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) فالله لا يريد من الإنسان أن يكون مجرد "نسخة" من أسلافه بل يريد عقلاً يبحث وقلباً يختار فالإيمان الذي يمر بمرحلة التفكير والتدبر هو الإيمان الذي يثبت عند المحن أما الإيمان الموروث فهو غالباً ما ينهار أمام أول شبهة أو ضغط اجتماعي

المحور الأول اختبار الالتزام بعيداً عن ضغط المجتمع

العلامة الأولى التي تميز المسلم "بالاختيار" عن المسلم "بالوراثة" هي نوعية الالتزام بالفرائض فالمجتمعات العربية والإسلامية تفرض نوعاً من الرقابة الاجتماعية التي تجعل بعض العبادات تتحول إلى "عادات" ولنا في صيام رمضان مثال واضح حيث نجد من يصوم بصرامة شديدة لكنه لا يصلي ولماذا يحدث هذا لأن المجتمع يعتبر الإفطار العلني "فضيحة" بينما قد يغض الطرف عن ترك الصلاة

إن اختيارك الحقيقي للإسلام يتجلى عندما تلتزم بما لا يراك فيه إلا الله أو عندما تلتزم في بيئة لا تشجعك على ذلك فالفتاة التي تختار الاحتشام في وسط يدفعها نحو التبرج هي "مؤمنة بالاختيار" والشاب الذي يحافظ على صلاته في غربة بعيداً عن أهله هو "مؤمن باليقين" لأن الدافع هنا نابع من الداخل وليس خوفاً من لوم المجتمع أو رغبة في مسايرة القطيع

المحور الثاني الانتماء الوجداني والمسؤولية تجاه الأمة

العلامة الثانية هي "الهم المشترك" فمن غير المنطقي أن يدعي شخص انتماءه لفكرة أو عقيدة وهو لا يكترث بمصير المؤمنين بها وتخيل مشجعاً يدعي عشق نادٍ معين وهو لا يعرف ترتيبه في الدوري ولا يحزن لخسارته فهل نصدقه بالطبع لا

المسلم بالوراثة يرى الدين كخانة في البطاقة الشخصية أما المسلم بالاختيار فيرى الإسلام كجسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى فهو يهتم بقضايا أمته ويحمل هم نشر الوعي ويسعى لأن يكون لبنة صالحة في بناء مجتمعه ليس لأنه "مضطر" بل لأنه "مختار" لهذا الدور العظيم

المحور الثالث كيف تنتقل من الوراثة إلى اليقين

هذه الرحلة تتطلب شجاعة فكرية وخطوات عملية نلخصها فيما يلي

1 التساؤل الواعي لا تخف من طرح الأسئلة الوجودية فالدين الذي يخشى الأسئلة هو دين هش والإسلام دين يدعو للتدبر (أفلا يتدبرون) ابحث عن إجابات لأسئلتك حول الخالق والكون والرسالة حتى يتحول إيمانك من "مقبول بداهة" إلى "ثابت بالبرهان"

2 البحث عن الجمال لا القيد المسلم بالوراثة غالباً ما يرى الدين كمجموعة من "الممنوعات" أما المسلم بالاختيار فيرى فيه "طوق نجاة" ومنهج حياة يحقق له السلام النفسي حاول أن تكتشف جماليات التشريع والحكمة من وراء الأوامر والنواهي

3 تحويل العبادة إلى تجربة روحية ابدأ بممارسة شعائرك وكأنك تفعلها لأول مرة جرب أن تصلي صلاة واحدة بتركيز كامل بعيداً عن العادة ستشعر حينها بحلاوة الإيمان التي تحدث عنها النبي صلى الله عليه وسلم وهي حلاوة لا يتذوقها إلا من اختار الطريق بقلبه

خطورة الإيمان الهش في عصر الانفتاح الرقمي

نحن نعيش في زمن "السيولة الفكرية" حيث يتعرض الشباب يومياً لآلاف الشبهات والأفكار والمغريات والإيمان الموروث لم يعد كافياً للصمود في وجه هذه العواصف فإذا لم يكن إيمانك مبنياً على أساس متين من الوعي والاختيار فإنه قد يتآكل تدريجياً دون أن تشعر إننا في "فضفضة تيوب" نؤمن أن الوعي هو السلاح الوحيد لحماية الفطرة والارتقاء بالنفس البشرية

الخلاصة نحو وعي إنساني جديد

إن انتقالك من خانة "المسلم بالتبعية" إلى خانة "المسلم بالوعي" هو أعظم إنجاز قد تحققه في حياتك إنه الانتقال من كونك مجرد صدى للماضي إلى أن تكون صوتاً حقيقياً في الحاضر فالدين ليس قيداً ورثناه بل هو ضوء اخترناه ليمهد لنا الطريق نحو السعادة في الدارين

تعليقات